الشنقيطي

119

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الإذخر ، فإنه لا بد لهم منه ، فإنه للقيون والبيوت ، فقال : « إلا الإذخر » ، متفق عليه من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما « 1 » ، وعن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما فتح مكة قال : « لا ينفرد صيدها ، ولا يختلى شوكها ، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد » ، فقال العباس : إلا الإذخر ، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إلا الإذخر » متفق عليه أيضا « 2 » . وفي لفظ « لا يعضد شجرها » ، بدل قوله « لا يختلى شوكها » ، والأحاديث في الباب كثيرة . واعلم أن شجر الحرم ونباته طرفان ، وواسطة طرف لا يجوز قطعه إجماعا ، وهو ما أنبته اللّه في الحرم من غير تسبب الآدميين ، وطرف يجوز قطعه إجماعا ، وهو ما زرعه الآدميون من الزروع ، والبقول ، والرياحين ونحوها ، وطرف اختلف فيه ، وهو ما غرسه الآدميون من غير المأكول ، والمشموم ، كالأثل ، والعوسج ، فأكثر العلماء على جواز قطعه . وقال قوم منهم الشافعي بالمنع ، وهو أحوط في الخروج من العهدة ، وقال بعض العلماء : إن نبت أولا في الحل ، ثم نزع فغرس في الحرم جاز قطعه ، وإن نبت أولا في الحرم ، فلا يجوز قطعه ، ويحرم قطع الشوك والعوسج ، قال ابن قدامة في [ المغني ] ، وقال القاضي ، وأبو الخطاب : لا يحرم ، وروي ذلك عن عطاء ، ومجاهد ، وعمرو بن دينار ، والشافعي ، لأنه يؤذي بطبعه ، فأشبه السباع من الحيوان . قال مقيده عفا اللّه عنه : قياس شوك الحرم على سباع الحيوان مردود من وجهين : الأول : أن السباع تتعرض لأذى الناس ، وتقصده بخلاف الشوك . الثاني : أنه مخالف لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يعضد شوكه » ، والقياس المخالف للنص فاسد الاعتبار . قال في [ مراقي السعود ] : والخلف للنص أو إجماع دعا * فساد الاعتبار كل من وعى وفساد الاعتبار قادح مبطل للدليل ، كما تقرر في الأصول ، واختلف في قطع اليابس من الشجر ، والحشيش ، فأجازه بعض العلماء ، وهو مذهب الشافعي وأحمد ؛ لأنه كالصيد الميت لا شيء على من قده نصفين ، وهو ظاهر قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ولا يختلى خلاه » ؛ لأن الخلا هو الرطب من النبات ، فيفهم منه أنه لا بأس بقطع اليابس . وقال بعض العلماء : لا يجوز قطع اليابس منه ، واستدلوا له بأن استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس ، وبأن في بعض طرق حديث أبي هريرة : ولا يحتش حشيشها ، والحشيش في اللغة : اليابس من الشعب ، ولا شك أن تركه أحوط . واختلف أيضا في جواز ترك البهائم ترعى فيه ، فمنعه أبو حنيفة ، وروي نحوه عن

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في اللقطة حديث 2433 ، ومسلم في الحج حديث 445 . ( 2 ) أخرجه البخاري في اللقطة حديث 2434 ، ومسلم في الحج حديث 447 .